بأطراف الأصابع.. المكفوفون في صنعاء "يُبصرون" فئة 200 ريال بطباعة برايل

بواسطة magazineeditor, 4 أغسطس, 2025
body

مجلة الاستثمار/صنعاء
لم يكن بمقدورهم رؤية اللون الزهري أو تمييز الرموز البصرية، لكن عدداً من المكفوفين في صنعاء استطاعوا "قراءة" الورقة النقدية الجديدة من فئة 200 ريال، بطريقة مختلفة.. ليس بالبصر، بل باللمس.

فعند ملامستهم لهذه الفئة النقدية التي أصدرها البنك المركزي اليمني في صنعاء، أحسوا بخطوط بارزة، ونقاط محفورة بدقة، طبعت خصيصاً بطريقة برايل، فتفتحت وجوههم بفرح ممزوج بدهشة لطيفة، وشعور غير مألوف بالاحتواء.

إنها المرة الأولى التي تضع فيها السلطات النقدية في اليمن المكفوفين نصب أعينها في تصميم ورقة نقدية، لتكون هذه الطبعة بمنزلة إشعار عملي بأن ذوي الإعاقة البصرية ليسوا خارج حسابات السياسات المالية.

فمن خلال طبقة برايل، أُتيح للمكفوفين التعرّف على فئة الورقة النقدية من دون الحاجة إلى وسيط، في خطوة وصفوها بـ"البسيطة في ظاهرها، الكبيرة في معناها"، لما تحمله من اعتراف ضمني بحقهم في الاستقلالية والكرامة الإنسانية، ومكانتهم كجزء فاعل في الدورة الاقتصادية اليومية.

الناشطة في قضايا الإعاقة، "حياة"، عبرت عن هذا الشعور بلهجة عفوية قائلة: "يمكن ناس تشوفها حاجة بسيطة، بس إحنا حسّينا لأول مرة أن أحد شايفنا.. مش لازم نقول لحد يفرّق لنا الفئات، صرنا نقدر نعرف لحالنا".

أما الناشط الاجتماعي إبراهيم محمد المنيفي، فأكد أن هذه الخطوة تُحسب للسلطات في صنعاء، قائلاً: "قد نختلف سياسياً، لكن الاهتمام بالفئات المهمشة، ومنها المكفوفون، هو مؤشر على وعي تقدمي يستحق التقدير".

ويذهب بعض المكفوفين إلى أبعد من الجانب التقني، معتبرين أن اعتماد برايل في العملة النقدية لا يمثل فقط استجابة لاحتياجاتهم، بل إعلان ضمني بأنهم ليسوا على هامش الاقتصاد، بل في صلبه. إنها– كما قال أحدهم– "رسالة تقول إننا مرئيون، حتى ولو لم نرَ".

 

من الناحية التقنية، فإن طريقة برايل– التي ابتكرها الفرنسي لويس برايل– تقوم على ترميز الحروف والأرقام بنقاط بارزة، يستطيع الكفيف "قراءتها" عن طريق اللمس. وبتوظيف هذه الطريقة على سطح العملة، أصبح من الممكن للمكفوف أن يعرف قيمة الورقة النقدية بنفسه، بدون خوف من الخطأ أو الاحتيال أو الاعتماد على الآخرين.

البنك المركزي في صنعاء كان قد أعلن عن الإصدار الثاني من فئة الـ200 ريال، مبيناً أنها طُبعت وفق أحدث المعايير العالمية، وتضم علامات أمنية متطورة، منها ما يُرى بالعين المجردة، ومنها ما يظهر فقط بالأشعة فوق البنفسجية.
وتبلغ أبعاد الورقة 155.2 ملم طولاً، و76 ملم عرضاً، وتتضمن طبقة لامعة وشريطاً معدنياً للحماية، فضلاً عن نقطة بارزة غير ملونة على الوجه الأمامي، تشكّل العلامة الخاصة بطريقة برايل، في أول تجربة نقدية يمنية تدمج ذوي الإعاقة البصرية في هذا المستوى من الاعتراف والتمكين.

إنها مجرد ورقة، لكنها في نظر المكفوفين أكثر من ذلك.. إنها "اعتراف ملموس" بأن مكانهم حاضر، وأصواتهم مسموعة، وأن أطراف أصابعهم قادرة على أن تبصر ما عجز عنه النظر.

Featured
On
Breaking News
Off
Publish date
Image